مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لا تفهمونا غلط 

دلالات زيارة ماكرون الثانية لمصر.. عندما تمتزج الدبلوماسية الرسمية بالحفاوة الشعبية

 

لا يمكن لأي متابع لمنجزات الدولة المصرية الحديثة إلا أن يشعر ببالغ الفخر والسعادة وهو يشاهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحل ضيفاً عزيزاً على مصر للعام الثاني على التوالي؛ فبين زيارته السابقة في أبريل 2025 وزيارته الحالية في مايو 2026، تتأكد حقيقة واحدة، وهي أن مصر باتت ركيزة أساسية في الأجندة الدولية، وأن الشراكة مع باريس لم تعد مجرد تفاهمات عابرة، بل هي نهج مستدام يعكس ثقة العالم في استقرار مصر وقدرتها على صياغة مستقبل المنطقة." ، فهي زيارة لا تعكس فقط عمق الروابط التاريخية والجغرافية بين القاهرة وباريس، بل تجسد بوضوح حجم الخصوصية والتقدير المتبادل بين القيادتين السياسيتين في البلدين، وإنني لأشعر بسعادة شديدة وأنا أرى مصر الكبيرة وهي تفتح ذراعيها لشركائها الدوليين، مؤكدة أن هذه الشراكة الاستراتيجية الشاملة قد انتقلت من مجرد تفاهمات سياسية إلى واقع ملموس يخدم شعوب القارة الأفريقية برمتها، ولعل أكثر ما يثلج الصدر ويبعث على الطمأنينة هو تلك الحالة من الأمن والأمان والاستقرار التي لمسها الرئيس الفرنسي بنفسه وغيره مما زاروا مصر ، وهذا ما اكده ايضا الرئيس الامريكي ترامب ، فما كان لماكرون أن يتجول في شوارعنا بقلب مطمئن، أو يشارك أبناء الإسكندرية والقاهرة لحظاتهم العفوية، لولا تلك الجهود العظيمة التي بذلتها الدولة المصرية لترسيخ دعائم الاستقرار، ليصبح الأمن المصري هو الرسالة الأبلغ التي يراها العالم أجمع في عيون ضيوف مصر الكبار.
حيث جسدت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مدينة الإسكندرية، والتي جرت أمس السبت الموافق التاسع من مايو 2026، فصلاً جديداً ومشرقاً في سجل العلاقات التاريخية بين القاهرة وباريس، حيث تأتي هذه الزيارة، وهي الثانية للزعيم الفرنسي ، لتبعث برسالة سياسية ودبلوماسية بالغة الدلالة حول خصوصية الروابط التي تجمع بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي، وتؤكد على المكانة المركزية التي تحتلها مصر في الاستراتيجية الفرنسية تجاه منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية على حد سواء، إن هذا الزخم المتصاعد في وتيرة للقاءات القمة يعكس انتقال العلاقات من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تم تدشينها في أبريل من العام الماضي، مما يجعل من التنسيق المصري الفرنسي صمام أمان لاستقرار المنطقة ومنطلقاً لمشاريع تنموية كبرى تتجاوز حدود البلدين لتشمل محيطهما الإقليمي والقاري.
ولعل الحدث الأبرز في هذه الزيارة هو افتتاح الحرم الجامعي الجديد لجامعة سنجور الدولية في مدينة برج العرب الجديدة، وهو الصرح الذي يمثل تجسيداً حياً للدور المصري الرائد في دعم التنمية المستدامة في أفريقيا، فقد شهد الرئيسان السيسي وماكرون، وبمشاركة رفيعة المستوى من رئيس وزراء بوروندي ولويز موشيكيوابو سكرتير عام المنظمة الفرانكوفونية، تدشين هذا المقر الذي أهدته الحكومة المصرية للجامعة على مساحة عشرة أفدنة، ليصبح منارة تعليمية فريدة تهدف إلى تأهيل الكوادر الأفريقية الشابة في مجالات حيوية مثل الإدارة والصحة والبيئة والثقافة، إن استثمار مصر لمبلغ ستين مليون يورو في هذا المشروع لم يكن مجرد بناء لجدران أكاديمية، بل هو استثمار في العقل الأفريقي، وهو ما دفع الرئيس ماكرون للإشادة بهذا الالتزام المصري الواضح، واصفاً الجامعة بأنها الجسر الذي يربط بين الثقافات الأفريقية والأوروبية، ومؤكداً أن مصر تظل دائماً هي الحاضنة الكبرى للعلم والمعرفة في المنطقة.
إن المشاهد التي رافقت زيارة ماكرون في شوارع الإسكندرية، ومن قبلها جولاته التاريخية في شارع المعز وخان الخليلي بالقاهرة، لم تكن مجرد بروتوكولات رسمية، بل كانت لوحة فنية تعكس حالة الأمن والأمان والاستقرار التي تنعم بها الدولة المصرية، فعندما يتحرك زعيم دولة كبرى بحجم فرنسا في شوارع المدن المصرية ، وزيارة قلعة قايتباي التاريخية ، وجولة علي الممشي السياحي ، والمواطنين والشباب الذين استقبلوه بحفاوة بالغة وأهازيج الترحيب السكندرية الأصيلة، فإن ذلك يرسل رسالة طمأنة للعالم أجمع بأن مصر بلد مستقر وآمن وجاذب للجميع، هذه الحفاوة الشعبية التلقائية التي قوبل بها ماكرون تعكس طبيعة الشعب المصري الودود والمنفتح على الثقافات، وتؤكد أن الاستقرار السياسي الذي حققته الدولة المصرية قد انعكس بشكل مباشر على الحالة الأمنية والمجتمعية، مما جعل من مصر وجهة مفضلة لكبار قادة العالم وللسياح والمستثمرين على حد سواء.
كما يعتبر مشهد ممارسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لرياضة الجري على كورنيش الإسكندرية صباح اليوم الأحد 10 مايو 2026 حدثا يحمل دلالات سياسية وتسويقية عميقة تتجاوز مجرد النشاط الرياضي المعتاد للرئيس الشاب حيث يمثل هذا الظهور العفوي والمكشوف في شوارع الإسكندرية وبالقرب من المارة شهادة عملية ودمغة دولية على حالة الأمن والأمان والاستقرار الشامل التي تعيشها مصر في عهدها الحديث كما حدث في زيارته في أبريل 2025
فهي رسالة طمأنة مباشرة للعالم أجمع بأن المدن المصرية آمنة تماما لاستضافة قادة القوى العظمى في جولات حرة ومباشرة بعيدا عن المدرعات والجدران العازلة كما يعكس هذا السلوك نمط الدبلوماسية الحديثة التي يتبعها ماكرون والمعروفة بدبلوماسية القوة الناعمة وحرصه الدائم على التواجد في الشارع المصري والتواصل المباشر مع الشعوب
فالجري في مكان عام مثل كورنيش الإسكندرية يكسر الحاجز النفسي والبروتوكولي بين القائد والجمهور ويقدم صورة إنسانية وحيوية للرئيس تجذب انتباه الأجيال الشابة وتخلق حالة من الود الشعبي تجاه فرنسا ومن الناحية السياحية ، وتعد هذه الصور أفضل وسيلة ترويجية مجانية لمدينة الإسكندرية كوجهة سياحية عالمية فظهور الرئيس الفرنسي بالملابس الرياضية وهو يركض في شوارع عروس البحر المتوسط يبرز جمال المدينة وهدوءها الجوي والجمالي مما يشجع السياحة الأوروبية والفرنسية تحديدا على العودة بقوة لاستكشاف هذه المعالم التاريخية
ويؤكد هذا المشهد على عمق العلاقة الشخصية والراحة النفسية التي يشعر بها الرئيس الفرنسي في مصر فبعد جولة خان الخليلي في العام الماضي وجولة الكورنيش اليوم تترسخ صورة ماكرون في الوجدان المصري كصديق يقدر الحضارة المصرية ويستمتع بالحياة اليومية في مدنها وليس فقط كسياسي يكتفي بالاجتماعات المغلقة في القصور الرئاسية
وباختصار هو مشهد يجمع بين الرياضة والسياسة والترويج السياحي ليؤكد في النهاية أن الشراكة المصرية الفرنسية بلغت مرحلة من النضج والثقة تسمح بمثل هذه التحركات العفوية التي تلتقطها عدسات العالم لتنقل صورة إيجابية عن قوة الدولة المصرية والمستقبل الذي تبنيه في ظل مناخ يسوده الأمن والسكينة .. 
وعلى الصعيد الاقتصادي والسياسي، مثلت الزيارة فرصة لتعميق التعاون في ملفات الاستثمار والطاقة والنقل والتعدين، حيث تسعى فرنسا عبر وكالتها للتنمية إلى توسيع نطاق مشاركتها في المشاريع القومية المصرية العملاقة، وهو ما يعزز من فرص العمل ويدفع عجلة الاقتصاد الوطني، إن الثقة التي يوليها الجانب الفرنسي في الاقتصاد المصري نابعة من رؤية واضحة للإصلاحات الهيكلية والمناخ الاستثماري المحفز الذي توفره الدولة، وبجانب ذلك، كانت الملفات الإقليمية حاضرة بقوة في المباحثات المغلقة بين الرئيسين، حيث تم تناول سبل تهدئة التوترات في الشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب، انطلاقاً من الرؤية المشتركة التي تتبناها مصر وفرنسا بضرورة تغليب الحلول السياسية واحترام سيادة الدول، مما يجعل من هذا التنسيق ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والدولي.
وهنا لابد أن نشير إلى الربط التاريخي بين زيارة ماكرون الميدانية والقرار السياسي الفرنسي؛ فقد مثلت زيارة الرئيس ماكرون لمصر في أبريل 2025 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدبلوماسية الفرنسية تجاه المنطقة؛ فبوقوفه الشخصي عند معبر رفح ومعاينته المباشرة لأوجاع الجرحى والمصابين الفلسطينيين، انكسرت حواجز التردد في القارة العجوز. إن تلك المشاهدات الميدانية الصادمة من قلب المعاناة كانت هي الوقود الذي دفع باريس لاتخاذ قرارها التاريخي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو الموقف الذي أحدث زلزالاً سياسياً في أروقة الاتحاد الأوروبي، ممهداً الطريق لسلسلة من الاعترافات المتلاحقة التي أعادت للقضية الفلسطينية زخمها الدولي انطلاقاً من الرؤية والجهود المصرية.
إن زيارة ماكرون الاولي والثانية ، بتفاصيلها الرسمية والإنسانية، تؤكد أن مصر تحت قيادة الرئيس السيسي استعادت دورها كحلقة وصل استراتيجية لا غنى عنها بين القارات، وأنها نجحت في تحويل قوتها الناعمة المتمثلة في التعليم والثقافة والتراث إلى أدوات فعالة في سياستها الخارجية، إن مشهد الرئيسين وهما يتجولان في قلعة قايتباي التاريخية، ومن خلفهما البحر المتوسط، يختصر حكاية شراكة ممتدة عبر التاريخ، وطموحاً مشتركاً نحو مستقبل تسوده قيم البناء والتنمية والسلام، فمصر الكبيرة، بتاريخها العريق ومستقبلها الواعد، تظل دائماً هي الوجهة التي يقصدها الكبار، وهي الأرض التي تزرع فيها بذور العلم لتثمر نهضة واستقراراً للقارة الأفريقية وللعالم أجمع.
وفي الختام ، يمكن القول إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للإسكندرية لم تكن مجرد فعالية دبلوماسية عابرة، بل كانت إعلانًا حيًا عن مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية التي تتجاوز حدود المصالح السياسية لتصل إلى آفاق البناء المعرفي والقاري، فمن خلال افتتاح الحرم الجديد لجامعة سنجور، تؤكد مصر للعالم مرة أخرى أنها تظل المنارة التي تضيء دروب التنمية للقارة الأفريقية، والقلب النابض للفرانكوفونية في المنطقة، كما أن تلك المشاهد العفوية في شوارع الإسكندرية وقبلها في أزقة القاهرة التاريخية، والجولات الحرة التي قام بها الزعيم الفرنسي، هي الشهادة الأسمى على ما تنعم به الدولة المصرية من أمن واستقرار وأمان، وهي الرسالة الأبلغ للمستثمرين والزائرين بأن مصر الكبيرة، بقيادتها الرشيدة وشعبها المعطاء، هي أرض الفرص الواعدة وجسر السلام والتواصل بين حضارات العالم .. تحيا مصر .

مصطفي البلك
[email protected]